الفكرة أولا

عندما نتكلّم عن الكتابة العلمية، فنحن نتكلّم عن تحرير غرضُه إيصال المعلومة وتوضيحها وتبيينها في تعلّق واضح بالقارئ أو المتلقِّي، ولا نضُمُّ إلى ذلك الكتابة الأدبية التي تهدف إساسا إلى أغراض أخرى متعلّقة في عمومها بالكاتب ونفسيّته.
من هنا نقول أن أساس الكتابة العلمية هي الفكرة ووجودها، فإذا كان الأديب يستطيع أن يكتب بالدّافع والشّعور أو لمجرّد التّلاعب بالكلمات والعبارات للبهرجة والتّشويق، فإنّ النّص العلمي لا يمكن تصوّره بدون فكرة واضحة المعالم مكتملة الأركان. ونقصد بالأركان ما يلي:
  • تحديد الإطار العامّ للنّص: العلم المدروس، والشّعبة أو الفرع، القارئ المقصود.
  • تحديد موضوع النّص: دراسة جديدة، وصف، تجربة، مقارنة لتجارب أخرى، نقد، أو أيّ نوع آخر من أنواع النّصوص العلمية.
  • الوسائل المعتمدة للدّراسة والعمل الذي أدّى للفكرة المطروحة.
  • النّتائج التي توصل إليها صاحب أو أصحاب الفكرة.
فعندما تكتمل أركان الفكرة العلميّة، يصبح التّحرير مجرّد سرد للوقائع وترتيبا شكليّا للكلمات. أمّا عند غياب الفكرة، فالتّحرير العلمي يتحوّل من سرد للحقائق إلى محاولة لللتّحايل على القارئ واجترار للغة الخشب التّي تقول كلّ شيء لتوصلنا إلى اللّاشيء.

اكتب لكي أراك

لا سبيل للخلود إلاّ بتخليد ذكرك لأنّ جسدك لا بدّ أن يفنى يوما، ومهما كان غرضك من هذا الخلود، فالطّريق إليه واحد. ولتخليد ذكراك في هذه الحياة فإنّ لك سبيلان لا ثالث لهما : إمّا أن تَكتُب أو يُكتَبَ عَنك.
وموجبات أن يُكتَبَ عنك كثيرة، منها طرق الإصلاح والصّلاح ومنها طرق الإفساد والفساد، وكلّ هذا لا يعنينا في هذه المدوّنة. إنّما هذه المدوّنة لمن أراد أن يُخلِّد ذكره بالكتابة، بكتابته هو. والكتابة الخالدة المُخلِّدة هي الكتابة الجادّة النّافعة المفيدة وإن قَلَّت، فكم من خالد في التاريخ لم يترك إلاّ كلمات قليلة لكنّها ولّدت أفعالا وتركت مآثرا ومحامد كثيرة.
إنّ الكتابة الجادّة الّتي تنقل علما أو تورّث تاريخا أو تجدّد فكرا أو تولّد عملا هي وقود العقول التي تحرّك الجوارح إلى الأعمال العظيمة والمآثر الباقية. وهذه الكتابة ليست مقصورة على مؤلفات كبار المؤلفين وإبداعات العظماء والفلاسفة، بل هي لطلّاب العلم الذين يوثّقون علومهم ودروسهم، والباحثين القائمين على دقائق العلوم وتفاصيل المسائل، والمعلّمين والأساتذة المشغولين بتبويب العلوم والمعارف وتقديمها للمريدين والتّلاميذ، فكلّ هؤلاء له نصيب من الموروث العلمي الذي ينبغي حفظه بالكتابة الرّصينة الجادّة.
في هذه المدوّنة إشارات ومحاولات لكلّ هؤلاء وغيرهم ممّن يريد الرّجوع إلى الكتابة الجادّة بعيدا عن عبث الهواتف وتردّي لغة الفيديوهات وغزو الصّوت والصّورة لمساحة الفكرة.